لحظه

لحظه روايات وقصص كاملة

08/29/2026

كانت حماتي كلما جاءت لزيارتنا، تنتظر أي فرصة وتدخل غرفة نومنا من دون أن يلاحظها أحد... ثم تفتح درج ملابسي الداخلية وتقلب فيه كما يحلو لها!
وفي يوم، قررت أن أضع لها فخًا لم تكن تتوقعه طوال حياتها.
عندما تزوجت أحمد، كنت أعلم منذ البداية أن أمه نادية لا تعرف معنى كلمة «خصوصية» أو «حدود».
كانت عندما تأتي إلى منزلنا تتصرف وكأنها في منزلها تمامًا.
تفتح خزائن المطبخ من دون أن تسأل، وتنظر داخل الثلاجة، وتنقل الأشياء من مكان إلى آخر، وتدخل الغرف من دون حتى أن تطرق الباب.
في البداية، كنت أحاول تجاوز الأمر.
كنت أقول لنفسي:
«لا بأس... إنها والدته، وربما هذه طبيعتها.»
وكنت أحاول تجنب المشكلات، خصوصًا أنني لم أكن أريد أن تتحول كل زيارة لها إلى شجار بيني وبين زوجي.
لكن بعد فترة، بدأت ألاحظ شيئًا غريبًا جدًا...
شيئًا لم أستطع تجاهله.
في كل مرة كانت نادية تأتي لزيارتنا، كنت بعد أن تغادر أدخل غرفة النوم وأجد درج ملابسي الداخلية قد تغير.
أنا بطبيعتي منظمة جدًا، وأطوي كل شيء بطريقة معينة، وأضع كل نوع في مكان محدد.
لكن بعد زيارات حماتي، كنت أجد بعض الأشياء قد تحركت من أماكنها.
قطع كنت أضعها ناحية اليمين، أجدها ناحية اليسار.
وأشياء كنت أطويها بطريقة معينة، أجدها مفتوحة ومطوية بشكل مختلف.
وفي أكثر من مرة، وجدت أشياء من الدرج قد وُضعت في درج آخر تمامًا!
في المرة الأولى التي حدث فيها ذلك، وقفت أمام الخزانة ونظرت إليها قليلًا، ثم قلت لنفسي:
«ربما أنا التي نسيت.»
لم أكن أريد أن أظلمها أو أتهمها بشيء غريب إلى هذا الحد.
لكن الأمر تكرر مرة أخرى.
ثم حدث للمرة الثالثة.
ثم الرابعة.
وفي كل مرة تقريبًا، كان ذلك يحدث بعد زيارة نادية لنا.
حتى أصبحت متأكدة تمامًا أن الأمر لم يكن مصادفة.
كانت حماتي تدخل غرفة نومنا في غيابي... وتفتح درج ملابسي الداخلية وتقلب فيه!
كانت الفكرة نفسها مقززة بالنسبة إليّ.
ليس فقط لأنها تفتش في أشيائي الشخصية...
بل لأنها كانت تفعل ذلك في الخفاء.
أي أنها كانت تعرف جيدًا أن ما تفعله خطأ، وتنتظر اللحظة التي لا أكون فيها منتبهة حتى تدخل الغرفة.
في النهاية، قررت أن أتحدث مع أحمد.
كنت أتوقع أنه بمجرد أن يسمع ما حدث، سيغضب مثلي، أو على الأقل سيستغرب ويسأل أمه عن سبب فعلها ذلك.
جلست بجانبه وقلت له:
— أحمد... أريد أن أخبرك بشيء يحدث كل مرة تأتي فيها والدتك إلى هنا.
رفع عينيه عن هاتفه وقال:
— خير؟
قلت له:
— والدتك تدخل غرفة نومنا.
سكت لثانية وقال:
— وماذا بعد؟
قلت له وأنا أستغرب بروده:
— وتفتح درج ملابسي الداخلية وتقلب فيه.
كنت أنتظر أن أرى الصدمة على وجهه.
لكن أحمد لم يهتم تقريبًا.
نظر إليّ لثانيتين، ثم عاد إلى النظر في هاتفه وكأن الأمر عادي جدًا.
وقال:
— إنها أمي.
قلت له:
— أعلم أنها أمك... لكن هذا لا علاقة له بالموضوع. هذه أشيائي الشخصية، وهذه غرفة نومنا، وليس من حق أحد أن يفتش فيها.
عندها قال جملة جعلتني غير مصدقة لما سمعت:
— إذا كانت أمي تريد أن تتأكد من أنك تهتمين بالمنزل جيدًا وتعتنين به، فمن حقها أن تفعل ذلك.
ظللت أنظر إليه وأنا أنتظر أن يضحك ويقول إنه يمزح.
لكنه لم يضحك.
كان يتحدث بجدية.
قلت له:
— من حقها أن تفتش في ملابسي الداخلية حتى تتأكد أنني «أهتم بالمنزل»؟!
أجاب بكل برود:
— لماذا تكبرين الموضوع؟ إنها أمي، وليست امرأة غريبة.
في تلك اللحظة، فهمت شيئًا أهم بكثير من موضوع الدرج نفسه.
لم تكن لدي مشكلة واحدة.
بل كانت لدي مشكلتان.
الأولى أن حماتي لا تحترم خصوصيتي.
والثانية، والأخطر، أن زوجي نفسه يرى أن خصوصيتي لا قيمة لها، طالما أن من يتعدى عليها هي أمه.
وعندها قررت ألا أجادل أكثر.
لم أصرخ.
لم أطلب منه أن يتحدث إليها.
ولم أهدد بمنعها من دخول المنزل.
بل التزمت الصمت.
ومنذ تلك اللحظة، بدأت أفكر في طريقة تجعل نادية تتوقف بنفسها عن فتح ذلك الدرج مرة أخرى.
ومن دون أن أقول لها كلمة واحدة.
انتظرت الزيارة التالية.
وعندما أخبرني أحمد أن أمه قادمة إلينا، ابتسمت وقلت:
— أهلًا بها.
هو نفسه استغرب هدوئي، خصوصًا بعد حديثنا الأخير.
لكن ما لم يكن يعرفه...
أنني في الليلة السابقة كنت قد أعددت شيئًا خاصًا من أجل زيارة حماتي.
في اليوم التالي، وصلت نادية.
فتحت لها الباب وأنا أبتسم.
— أهلًا بكِ يا طنط، تفضلي.
دخلت وهي في منتهى الثقة، وجلسنا جميعًا في غرفة الجلوس.
أعددت لها القهوة، وقدمت لها بعض الحلوى، وتعاملت معها بصورة طبيعية جدًا، وكأن كل ما حدث من قبل قد نُسي.
لكنني وأنا أتحدث معها...
كنت أراقبها.
كنت أعلم أنها تنتظر فرصتها.
وفعلًا، بعد قليل، نهضت ودخلت المطبخ لأحضر شيئًا.
وعندما عدت، لاحظت أن نادية ليست في غرفة الجلوس.
نظرت إلى أحمد.
كان مشغولًا بهاتفه كعادته.
وعندها سمعت صوت خطوات خفيفة قادمة من ناحية الممر.
نظرت...
فرأيت نادية وهي تتجه نحو غرفة نومنا.
لم تقل إنها ذاهبة إلى الحمام.
ولم تطلب شيئًا.
اتجهت إلى الغرفة مباشرة.
أما أنا؟
فلم أوقفها.

08/29/2026

كانت ابنتي المراهقة وزوجي يخرجان فجأة في وقت متأخر من الليل بحجة أنهما ذاهبان إلى «إحضار الآيس كريم»، لكن عندما نفد صبري وقررت سحب بطاقة الذاكرة من كاميرا السيارة لأعرف ما الذي يحدث، لم تجد ساقاي مكانًا تحملانني إليه، وسقطت على الأرض من هول الصدمة!
تزوجت مصطفى عندما كانت ابنتي «ملك» في الخامسة من عمرها. كان والدها الحقيقي مجرد اسم في شهادة الميلاد؛ فلم يسأل عنها يومًا، ولم يحاول أن يكون جزءًا من حياتها. لذلك، عندما دخل مصطفى حياتنا، كنت خائفة… خائفة من أن تتأذى ابنتي، وخائفة من أن يشاركنا رجل غريب عالمنا الصغير الذي بنيناه بالتعب والدموع.
لكن مصطفى فعل المستحيل حتى يكسب قلبها. كان حاضرًا في كل تفصيلة تخصها، من واجبات المدرسة إلى دموعها وقت الخوف، ومن أحلامها الصغيرة إلى نجاحاتها الكبيرة. ومع مرور الوقت، أصبح بالنسبة إليها الأب الذي لم تعرفه طوال حياتها.
مرت السنوات، وكبرت ملك وأصبحت في السادسة عشرة من عمرها. ورغم عناد المراهقة وتقلباتها، كانت علاقتها بمصطفى قوية بشكل لافت. لدرجة أن كثيرًا من الناس كانوا يحسدوننا على الترابط الذي يجمعنا.
لكن فجأة… بدأ شيء غريب يحدث.
كل بضعة أيام، وبعد العشاء، كنت أسمع مصطفى ينادي:
«هيا يا ملوكة… لنذهب ونُحضر بعض الآيس كريم؟»
وكانت تفرح وتنزل معه فورًا.
في البداية، ضحكت على الأمر، واعتبرته طقسًا لطيفًا بينهما. لكن مع مرور الوقت، أصبح الأمر يتكرر بشكل مبالغ فيه. ساعات متأخرة، ومشاوير طويلة، وعودة بعد منتصف الليل أحيانًا.
والأغرب من ذلك… أن الجو أصبح باردًا وقارسًا، ومع ذلك استمرت رحلات «الآيس كريم» وكأن الصيف لم ينتهِ!
بدأت أسألهما بدافع الفضول.
كانت ملك تحكي قصة.
ومصطفى يحكي قصة مختلفة تمامًا.
مرة يقولان إنهما ذهبا إلى المحل القريب من المنزل، ومرة يقولان إنهما كانا يتنزهان لأن ملك كانت تشعر بالضيق، ومرة يغيران الموضوع بسرعة، وكأنهما لا يريدان الإجابة أصلًا.
عندها بدأ الشك يتسلل إلى قلبي.
كل ليلة كانا يخرجان فيها، كنت أقف عند النافذة أراقب أضواء السيارة وهي تختفي في آخر الشارع، وأحاول إقناع نفسي بأنني أتوهم الأمور.
لكن إحساسًا مخيفًا كان يكبر بداخلي يومًا بعد يوم.
إحساس يقول إن هناك سرًا كبيرًا يُخفى عني.
ليلة تلو الأخرى، فقدت قدرتي على النوم. أصبحت أراجع كل موقف، وكل كلمة، وكل نظرة بينهما.
إلى أن جاءت الليلة التي لم أعد أحتمل فيها.
كان مصطفى يشغّل دائمًا كاميرا السيارة أثناء القيادة. وكان يقول إنها للحماية وتوثيق أي حادث قد يحدث.
ولأول مرة في حياتي… قررت أن أفتش خلفه.
بعد أن نام الجميع، خرجت بهدوء إلى السيارة، وكان قلبي يخفق بعنف، حتى إنني كنت أسمع دقاته في أذني.
نزعت بطاقة الذاكرة وعدت بها إلى المطبخ.
كان المنزل ساكنًا بشكل مرعب.
وضعت البطاقة في الحاسوب المحمول، وقلت لنفسي:
«بالتأكيد ستضحكين على نفسك بعد قليل، وستكتشفين أن كل هذا مجرد أوهام.»
لكن عندما بدأ أول مقطع فيديو…
تجمد الدم في عروقي.
ومع كل ثانية كانت تمر، كنت أشعر بأن الأرض تنهار من تحتي.
وعندما ظهر المشهد الأخير على الشاشة…
لم تجد ساقاي مكانًا تحملانني إليه، فسقطت على الأرض من هول ما رأيت…
الجزء الثاني..

08/29/2026

بعد الخطوبة بشهرين، اتصلت بي حماتي وقالت لي: «أريدك أن تأتي إليَّ ضروريًّا». سألتها: «لماذا؟» فأجابت: «عندما تأتين ستعرفين».
استأذنت من أمي وأبي، وتأكدوا وقتها من أن خطيبي سيكون خارج المنزل، وبالفعل ذهبت إليها. وما إن دخلت الشقة حتى وجدت المكان في حالة فوضى عارمة، ورائحة كريهة تملأ أرجاءه؛ فقد تركت الطعام خارج الثلاجة حتى فسد وتخمّر، وانتشرت رائحته في المكان.
جلست وأنا لا أفهم سبب إصرارها على أن آتي إليها.
جلست حماتي أمامي، فقلت لها: «خيرًا يا طنط؟»
ردت بمنتهى البرود:
ـ انظري يا حبيبتي إلى حال الشقة! بناتي كنَّ عندي وأقمنَ عزومة، ثم رحلن، والآن أصبحت الشقة في حالة فوضى كما ترين.
ثم أعطتني جلابية قديمة في يدي وقالت:
ـ أريد أن أرى شطارتك.
ـ ماذا؟ أريد أن أعرف شطارتي في ماذا يا طنط؟
نظرت إلى الجلابية التي في يدي، ثم نظرت إليها وأنا مذهولة، غير مستوعبة إن كانت تتحدث بجد أم تمزح! لكن ملامحها لم تكن توحي أبدًا بأنها تمزح؛ كانت تتحدث بمنتهى الثقة والبرود، وكأنها تطلب مني أمرًا عاديًّا ومن حقها تمامًا.
ردت عليَّ وهي تسند ظهرها إلى الأريكة، وقالت بكل بساطة:
ـ لقد قلت لابني أن يتأخر خارج المنزل وألا يتصل بك الآن إطلاقًا حتى تأخذي راحتك، وأنتِ الآن ادخلي، وغيّري ملابسك، وارتدي هذه الجلابية براحتك، ثم شمّري عن ساعديك ونظفي لي الشقة ورتبيها كما كانت.
نزل كلامها عليَّ كالماء البارد، وتجمد الدم في عروقي وأنا أسمع الخطة التي رتبتها! يعني أنها اتفقت مع ابنها وأكدت عليه أن يتأخر، وأحضرتني إلى وسط هذه الرائحة الكريهة حتى أنظف الفوضى التي تركتها بناتها وراءهن ثم رحلن!
صدمتني كمية الاستغلال والتحكم التي بدأت تظهر منذ أول شهرين من الخطوبة، حتى إن الموقف ألجم لساني لثوانٍ، وأنا أحاول استيعاب ما يحدث أمامي.
وقفت وأنا لا أزال ممسكة بالجلابية في يدي، وتحولت الصدمة إلى ذهول تام، وعجز لساني عن النطق لثوانٍ. كنت أنتظر أن أرى أي بادرة تدل على أنها تمزح، لكن ملامحها كانت جادة، ولم يكن فيها أي تراجع.
وقبل أن ألحق بالرد أو أستوعب ما يحدث، وجدتها تواصل حديثها بمنتهى الجبروت والبرود، وقالت:
ـ انظري يا حبيبتي... حتى نكون واضحين من أول دقيقة، أنا وابني اتفقنا على أن يكون أول يوم لك في البيت اختبارًا. نريد أن نعرف بأنفسنا إذا كنتِ فعلًا ربة منزل ماهرة ونظيفة، وقادرة على تحمل مسؤولية البيت وابني أم لا. هيا، أرينا شطارتك، وابدئي من الآن. اجعلي يديك تعملان، فالوقت يمر... ونحن سنعرف النتيجة من أول يوم.
في تلك اللحظة، شعرت وكأن أحدهم صفعني فوق رأسي من شدة الصدمة.
«أنا وابني اتفقنا»؟!
ظلت الجملة ترن في أذني كجرس لا يتوقف.
يعني أن خطيبي، الذي يفترض أنه يبني معي بيتًا وحياة، كان مشاركًا في هذه التمثيلية لاختباري! وبناتها، اللواتي في مثل سني، يبعثرن المكان ويتركنه بهذه الحالة، وأنا التي يجب أن آتي لأنظف وراءهن، وكأنها تؤهلني منذ الآن لدخول هذا البيت خادمة!
والأسوأ من ذلك أنها لم تكلف نفسها حتى دعوتي إلى تلك العزومة!
ترى ماذا ستفعل خطيبة ابنها بعد هذا الموقف؟!
امانني اللسيد
الجزء الثاني..

08/29/2026

«اتصل بي أخي وقال: لا تأتِ إلى حفلة عيد ميلاد ابنتي... زوجتي لا تشعر بالارتياح لوجودك بعد ما حدث». أجبته بهدوء: «حسنًا يا سامح». وما إن أنهى المكالمة، حتى فتحت الخزنة وأخرجت الورقة التي أخفيتها منذ أربع سنوات... الورقة التي كانت كفيلة بتغيير حياته كلها.
قطع رنين الهاتف هدوء المنزل.
نظرت إلى الشاشة... كان اسم المتصل: «سامح، أخي».
ابتسمت تلقائيًا وأنا أجيب. ظننت أنه يتصل ليذكرني بالكعكة التي طلب مني إحضارها، أو ليؤكد عليّ ألا أنسى هدية ابنته.
لكن ما إن فتحت الخط، حتى فوجئت بأن صوته كان جافًا على نحو غريب.
قال:
«اسمعي يا أختي... من الأفضل ألا تأتي غدًا».
صمتُّ لثانيتين، أنتظر منه أن يكمل.
ثم قال:
«ريم ترى أن وجودك قد يسبب بعض المشكلات... والناس ستبدأ في الكلام، وهي تريد أن تمر حفلة عيد الميلاد بسلام».
شعرت وكأن كلماته انغرست في قلبي كسكين.
سألته:
«ولماذا قد أسبب أنا المشكلات؟»
أجاب بسرعة، وكأنه كان قد حفظ تلك الجملة مسبقًا:
«أنتِ شخصيتك قوية... والجميع يحب الجلوس معك، وهي تشعر أنك تخطفين منها الأضواء. اتركي لنا فرصة لنعيش حياتنا براحتنا».
والغريب أنني لم أغضب...
ربما لأن الإنسان حين ينكسر كثيرًا، يصل في النهاية إلى مرحلة يتوقف فيها عن الشعور.
قلت له بمنتهى الهدوء:
«لا بأس يا سامح... مبارك لابنتك، وأتمنى لكم السعادة».
ثم أنهيت المكالمة.
ظللت أحدق في صورة أمي وأبي المعلقة على الحائط.
وتذكرت يوم وفاة أبي.
كان سامح في ذلك الوقت لا يزال في بداية حياته، مثقلًا بديون طائلة بعد فشل مشروعه.
الجميع رفض الوقوف إلى جانبه...
إلا أنا.
بعت ذهبي.
وكسرت شهادة الاستثمار.
وعملت في وظيفتين حتى أسدد ديونه وأساعده على الوقوف من جديد.
حتى المنزل الذي يعيش فيه الآن، كان نصف ثمنه من مالي.
لكنني لم أخبر أحدًا بذلك يومًا.
قبل وفاة أبي، كان قد كتب ورقة بخط يده.
ورقة تنازل.
كتب فيها أن نصف قطعة الأرض التي تركها مسجل باسم سامح، ولكن بشرط واحد...
أن يعيد إليّ كل جنيه دفعته من أجله، فور أن يقف على قدميه.
وقال لي يومها:
«إن وجدته يومًا قد نسي المعروف... فاحتفظي بهذه الورقة. من ينسى أهله، ستأتيه الأموال بما يعلمه قيمة ما فقده».
أخفيت الورقة أربع سنوات.
ولم أفكر في استخدامها ولو لمرة واحدة.
نهضت من مكاني.
فتحت الخزنة الصغيرة.
وأخرجت الظرف البني.
كان لا يزال مختومًا.
ظللت أحدق فيه دقيقة كاملة.
ثم أمسكت هاتفي واتصلت بالمحامي.
قلت له بهدوء:
«الأستاذ عادل... افتح الملف رقم ٢١».
ساد الصمت لثوانٍ، ثم قال:
«هل أنتِ متأكدة؟»
أجبته:
«نعم... لقد حان الوقت».
وفي تلك اللحظة...
كان سامح يجلس وسط المدعوين.
كانت ريم تضحك، وكانت ابنته تطفئ شموع عيد ميلادها.
وكان يشعر في داخله أنه انتصر في تلك الجولة.
وفجأة...
رن هاتفه.
كان المتصل هو المحامي.
أجاب بضيق.
لكن بعد أقل من دقيقة...
اختفت الابتسامة من على وجهه.
وبدأت يده ترتجف.
ورقة واحدة فقط...
كانت كفيلة بإيقاف صفقة بيع الأرض التي كان ينتظر قبض ثمنها بعد يومين.
والأسوأ من ذلك...
أن تلك الورقة ستفتح أمامه حسابًا قديمًا، لم يتخيل يومًا أنه سيُفتح.
رفع عينيه نحو زوجته...
وللمرة الأولى، أدرك أن الكلمات التي قالها في حق أخته كانت أغلى خطأ ارتكبه في حياته.
لكن الأوان كان قد فات...
حكاوي_شيمو
لأن بعض الأبواب، حين تُغلق، لا تُفتح مرة أخرى بالسهولة نفسها.
فيا تُرى... ماذا حدث بعد ذلك؟
الجزء الثاني..

08/29/2026

فجأة، وأنا أُجري إجراءات تسجيل الخروج من فندق خمس نجوم، طلبت مني موظفة الاستقبال أن أدفع حساب ثلاث وجبات عشاء ليلية، مع أنني طوال الليل لم أفتح باب الغرفة ولو مرة واحدة.
وعندما قررت مديرة الفندق مراجعة كاميرات المراقبة، وما إن رأت الشخص الذي كان يدخل ويخرج من الطابق...
تغير وجهها في لحظة، ومدت يدها إلى الهاتف وطلبت الشرطة فورًا.
— أستاذة مريم، النظام لدينا يسجل أن غرفتك طلبت الطعام مرتين فجر أمس. إجمالي الطلبات كان ثلاث وجبات من قائمة المأكولات البحرية الفاخرة، والحساب بالكامل خمسة عشر ألف جنيه. نحتاج منكِ تأكيد الطلب وسداد المبلغ.
كانت موظفة الاستقبال لا تزال محافظة على ابتسامتها المهنية الهادئة.
لكن بالنسبة إلى مريم، سقطت كل كلمة قالتها عليها كالماء البارد.
— مستحيل.
قبضت مريم على بطاقة الغرفة بقوة، حتى ابيضت أطراف أصابعها.
— لقد نمت مبكرًا أمس. ونومي خفيف جدًا. لو طرق أحدهم الباب ليسلمني الطعام، لكنت استيقظت بالتأكيد. أنا لم أفتح باب الغرفة طوال الليل أصلًا.
خفتت ابتسامة موظفة الاستقبال قليلًا.
ضغطت عدة أزرار على جهاز الكمبيوتر، ثم أدارت الشاشة نحو مريم.
— من المستحيل أن يكون النظام مخطئًا. سُجّل الطلب الأول في الساعة 1:05 بعد منتصف الليل، والثاني في الساعة 1:37. في المرة الأولى كانت وجبة واحدة، وفي المرة الثانية وجبتين. وهذه الفاتورة بالتفصيل، يمكنكِ رؤيتها بنفسك.
بدأ الأشخاص الواقفون في الطابور خلف مريم يتضايقون ويتبادلون الهمسات.
نظرت امرأة في منتصف العمر، ترتدي ملابس باهظة الثمن ويبدو عليها الثراء، إلى مريم بنظرة تحمل شيئًا من الاحتقار، وكأنها مقتنعة بأن الفتاة تناولت الطعام وتحاول الآن التهرب من دفع الحساب.
وعندما بدأ صوت الجدال يرتفع، اقتربت منهما مديرة الاستقبال الرئيسية.
كانت امرأة في أوائل الثلاثينيات، أنيقة جدًا، تضع مكياجًا هادئًا، وعلى صدرها بطاقة كُتب عليها:
داليا منصور — مديرة الاستقبال
بعد أن شرحت لها الموظفة ما حدث، نظرت داليا إلى مريم وقالت:
— أستاذة مريم، هل من الممكن أنكِ نسيتِ؟ أو ربما كان لديكِ ضيف في الغرفة وهو الذي طلب الطعام؟
أخذت مريم نفسًا عميقًا وحاولت أن تحافظ على هدوئها.
— لم يكن لديَّ أي ضيوف. كنت وحدي في الغرفة. وأنا متأكدة مئة في المئة من أن أحدًا لم يدخل إليَّ أمس، وأنا شخصيًا لم أطلب أي طعام. أريد أن أرى كاميرات المراقبة.
تغيرت ملامح داليا للحظة، وكأن الطلب وضعها في موقف غير مريح، لكنها سرعان ما عادت إلى أسلوبها المهني.
— مراجعة تسجيلات الكاميرات لها إجراءات، كما أن التسجيلات تتضمن خصوصية نزلاء آخرين. يمكننا أن نفعل شيئًا أسهل... ادفعي المبلغ الآن، وبعد أن نحقق في الأمر، إذا تأكدنا من وجود خطأ في النظام، فسيعيد الفندق إليكِ المبلغ كاملًا.
أن تدفع أولًا؟
خمسة عشر ألف جنيه؟
كان مبلغًا كبيرًا جدًا بالنسبة إليها.
شعرت مريم بأن الدم كله صعد إلى رأسها.
وزادت نظرات الناس المحيطة بها من شعورها بأنها تقف داخل قفص اتهام.
شدت حقيبتها، وغرست أظافرها في راحة يدها.
— أرفض أن أدفع مالًا مقابل شيء لم أطلبه.
رفعت رأسها.
لم يكن صوتها مرتفعًا، لكن كلامها كان حاسمًا.
— وأطلب الآن أن نراجع كاميرات المصعد وكاميرات ممر الطابق الذي كنت أقيم فيه. أريد أن أعرف تحديدًا من الساعة الواحدة إلى الساعة الثانية فجرًا، من الذي أدخل هذه الوجبات الثلاث إلى الغرفة 1818.
عقدت داليا حاجبيها.
كان واضحًا أنها لم تتوقع أن تتمسك الفتاة الهادئة التي أمامها، والتي تبدو ضعيفة أصلًا وليست من النوع الذي يبحث عن المشاكل، بموقفها إلى هذا الحد.
بدأ الناس خلفهما يتبادلون الهمسات بصورة أكبر.
وبعد ثوانٍ من التفكير، هزت داليا رأسها.
— حسنًا. تفضلي معي إلى غرفة المراقبة. يا سارة، تابعي إجراءات بقية النزلاء.
سارت مريم خلفها في صمت نحو الجزء الداخلي المخصص للموظفين.
كان قلبها يخفق بسرعة.
هي أصلًا تكره المشاكل طوال حياتها.
ولا تجيد الدخول في المشاجرات أو المواجهات.
لكن الأمر هذه المرة مختلف.
فالموضوع ليس مجرد أنها نسيت شيئًا أو حدث سوء تفاهم.
إنها تُتهم صراحة بشيء لم تفعله.
في الليلة الماضية كانت تجلس تراجع خطة المشروع حتى الساعة الحادية عشرة تقريبًا.
كانت متعبة إلى درجة أنها ما إن وضعت رأسها على الوسادة حتى نامت، ولم تفتح عينيها إلا في الصباح.
عشاء في منتصف الليل؟
وثلاث وجبات من المأكولات البحرية الفاخرة؟
دخلتا غرفة المراقبة.
لم تكن الغرفة كبيرة، لكن الجدران من حولهما كانت مغطاة تقريبًا بالشاشات.
كان أحد أفراد الأمن يجلس أمام لوحة التحكم.
وما إن شرحت له داليا الأمر، حتى فتح تسجيلات كاميرات ممر الطابق الثامن عشر فورًا من الليلة الماضية.
أعاد التسجيل إلى الساعة 12:50 بعد منتصف الليل.
كان الممر هادئًا.
الإضاءة خافتة.
والسجاد السميك يغطي الأرض.
ولم يكن هناك أحد.
كان باب الغرفة 1818 مغلقًا تمامًا.
أصبحت الساعة...
1:03 صباحًا.
ظهر موظف من خدمة

08/29/2026

مرّت ثلاثة أعوام كاملة على انقطاع الطمث لديّ، وفجأة، ومن دون أي مقدمات، وجدت نفسي أنزف دمًا. في البداية ظننت أنني أنا التي وقعت في مصيبة وأنني مريضة، ولم أكن أعلم أن الرجل الذي ينام بجواري على السرير نفسه منذ أكثر من عشرين عامًا، كان يحمل سرًّا لا يُحكى!!!!! أنا امرأة كبيرة في السن، وقد انقطع الطمث لديّ منذ أكثر من ثلاثة أعوام كاملة. ولهذا، عندما دخلت الحمام في ذلك اليوم ورأيت نفسي أنزف، اسودّت الدنيا في عينيّ. كان الدم أحمر قانيًا ومخيفًا. ارتخت ركبتاي في الحال، وشعرت بوخز يسري في جسدي كله، وبدأت أفكار مرعبة تهاجم رأسي واحدة تلو الأخرى... تُرى، ماذا هناك؟ هل يمكن أن يكون سرطانًا في الرحم؟ لم أستطع مواصلة التفكير، فقد كان الخوف والرعب أكبر من قدرتي على الاحتمال. وبمجرد أن اتصلت بزوجي «شريف»، ترك عمله وهرع إلى المنزل. وما إن رأيته حتى وجدت وجهه شاحبًا وأبيض من وجهي مرات عديدة من شدة الصدمة. ومن دون أن ينطق بكلمة، حملني وصعد بي إلى السيارة. كان مرعوبًا بطريقة أخافتني أكثر. هو دائمًا يخاف عليّ، لكن هذه المرة كان خوفه أكبر بكثير. كنت أشعر به بوضوح، حتى إن يده كانت ترتجف. «لا تخافي يا نادية، أنا إلى جوارك ولن أتركك.» كان صوته مخنوقًا ومكتومًا وهو يقود بي مسرعًا إلى المستشفى. دخلنا قسم الطوارئ، وأخذوا يتنقلون بي بين التحاليل والأشعة؛ سحبوا عينة من دمي، وأجروا لي فحصًا بالموجات فوق الصوتية وكشفًا لدى طبيبة النساء. كنت أقف وكأنني مخدّرة، بلا أي رد فعل سوى ذلك الرعب الذي لم يفارقني لحظة واحدة. طوال ذلك الوقت، كان شريف ممسكًا بيدي بقوة، وكفه مبللًا بالعرق من شدة التوتر. كان انتظار النتيجة طويلًا ومملًا، وكأنه لا يريد أن ينتهي. كنت أسند رأسي إلى كتفه وأشعر أنني سأفقد وعيي في أي لحظة. حتى انفتح الباب أخيرًا، وخرجت طبيبة شابة تحمل التقرير في يدها. نظرت إليّ ثم إلى شريف بنظرة غريبة ومربكة للغاية، وقالت: «لو سمحت يا أستاذ شريف، هل يمكنك أن تأتي معي إلى الخارج لثانية واحدة؟» طلبت منه أن يرافقها وحده وأن تتحدث إليه على انفراد. في تلك اللحظة، انقبض قلبي من شدة الخوف. «يا دكتورة، ماذا هناك؟ هل توجد أشياء لا يمكنني سماعها؟» تشبثت بقميص زوجي بقوة، فربّت على يدي بهدوء محاولًا أن يبدو متماسكًا وهادئًا: «لا يوجد شيء يا حبيبتي، اطمئني. سأستمع إلى الطبيبة وأعود إليك فورًا.» خرج معها وأغلقا الباب خلفهما. ومن خلف زجاج العيادة الضبابي، كنت أراهما. كانت الطبيبة تتحدث، بينما يقف شريف يستمع إليها، وكلما مرّت لحظة كان يخفض رأسه إلى الأرض أكثر فأكثر. وفجأة رأيته يرفع يده ويمسح وجهه... كان يبكي. تجمّد جسدي كله في مكاني. انتهى الأمر إذن... لا بد أن النتيجة كارثية. طوال حياتي كنت أحب الحياة، وكانت صحتي جيدة، ولم أفكر يومًا في الموت أو الأمراض. أما الآن، فهناك مصيبة داخل جسدي... مصيبة لا أستطيع حتى أن أتخيلها؟ بعد فترة طويلة، انفتح الباب ودخل شريف، وعيناه حمراوان من كثرة البكاء، ولم يكن قادرًا على النظر في عينيّ، وكأنه ارتكب كارثة. نظرت إليه وأنا أنتظر حكم الإعدام: «ماذا هناك يا شريف؟ ماذا قالت لك الطبيبة؟» هز رأسه وقال بنبرة مهزوزة: «لا شيء يا نادية، لا يوجد شيء على الإطلاق.» اقترب مني محاولًا أن يغمرني في حضنه، لكنني ابتعدت عنه فورًا: «شريف! انظر في عينيّ وتحدث إليّ... قل لي الحقيقة. ماذا بي؟ هل أنا مصابة بالسرطان؟» هز رأسه مرة أخرى، وكانت عيناه ممتلئتين بالدموع: «يا نادية، لا توهمي نفسك. الطبيبة قالت إن هناك بعض الاضطراب في الهرمونات لا أكثر. في هذا العمر قد يحدث ذلك بشكل طبيعي... هيا بنا نعود إلى المنزل لترتاحي، وسأعدّ لك شيئًا تأكلينه وتتغذين به... أنتِ بحاجة إلى التغذية بسبب الدم الذي فقدته.» كان يكذب... عشرة أعوام من العِشرة؟ بل أكثر من عشرين عامًا جعلت كل حركة منه، وكل نبرة في صوته، وكل رمشة من عينيه، كتابًا مفتوحًا أمامي. كانت يده ترتجف بشكل لم يستطع السيطرة عليه إطلاقًا... وأصبحت أكثر تأكدًا من أنه يخدعني، وأنني أمام خطر محتوم. طوال الطريق إلى شقتنا في مصر الجديدة، كان الصمت داخل السيارة خانقًا. أكثر من مرة فتح فمه وكأنه يريد أن يتحدث، ثم عاد وصمت، وأنا أيضًا لم أسأله... لأنني أدركت أنه لن يخبرني بالحقيقة. عندما وصلنا، نزل من السيارة والتف حولها ليفتح لي الباب بكل حنان، كما اعتاد دائمًا، وبينما كان ينحني ليسندني، سقط شيء من جيب سترته على الأرض وأصدر صوتًا. كانت ورقة مطوية. مددت يدي بسرعة، ولمحتها قبل أن يتمكن من إخفائها. تغيّر وجهه وظهر الرعب عليه، وحاول أن ينتزعها مني: «ما هذه يا شريف؟» قال بسرعة وخوف: «لا شيء... لا شيء. أعطيني إياها.» لم أجب. فتحت الورقة... وليتني متُّ قبل أن أفتحها. ففي اللحظة التي وقعت عيناي فيها على ما كُتب، عرفت سبب خوفه وندمه... كان مكتوبًا في أولها، بخط واضح، ما جعل عينيّ تصابان بالصدمة:.
زهرة الربيع
الجزء الثاني..

08/29/2026

ابويا جيه من الفيوم للقاهرة علشان يزورني في شقتي الجديده ، بس جوزي رفض نعمله غدا وقال دي مصاريف ملهاش لزمه كباية عصير كفايه ولو مش عاجبك خليه يجيب غداه معاه ، منطقتش ولا حرف ولما جيه معاد الغدا جوزي وقف مصدوم ومش قادر ينطق من اللي عملته!!!!!!
من أول ما اتجوزت "محمود"، وأنا عارفة إن إيده ماسكة شوية، بس كنت بقول معلش، بكرة يتعدل، بكرة لما ربنا يرزقنا الدنيا تتفتح شوية. لكن البخل مش طبع بيتغير، ده مرض بيزيد مع الأيام. محمود كان بيحسب اللقمة اللي بنأكلها، والهدوم اللي بنشتريها، وحتى اللبس كنت باخده بطلوع الروح. كم موقف كده عدوا عليا وكنت بسكت وأعدي عشان المركب تسير؛ يعني مثلاً يخش البيت بـ ٣ برتقانات بالعدد، ويزعق لو أخدت واحدة زيادة، أو يطفي النور ورايا وأنا لسه واقفة في الأوضة ويقولي "الكهربا بفلوس مش ببلاش".
كنا عايشين في شقته القديمة اللي ورثها عن أبوه وأمه، شقة متبهدلة وحيطانها قديمة جداً، لدرجة إنها مع الوقت اتصدعت وبقت هتقع علينا، وهو برضه مكانش عاوز يتحرك ولا يصرف مليم على ترميم ولا نقل. لحد ما الموضوع بقى خطر على حياتنا، وبالعافية، وبعد خناقات وطلوع روح، وافق إنه ينقل شقة تانية إيجار، وطبعاً اختار شقة ضيقة جداً على قد لحافه، بس قلت مش مهم، ضيقة وضلمة بس أحسن من القديمة اللي كانت هتهد فوق دماغنا، وأهو نعيش في مكان أنضف شوية.
​المهم، لسه بنقول يا هادي وبنرتب الشقة الجديدة، لقيت أبويا حبيبي بيكلمني في التليفون وبيقولي: "أنا جايالكم يا بنتي بكرة من الفيوم مخصوص عشان أباركلك على الشقة الجديدة وأشوفك وأطمن عليكي". طبعاً الفرحة مكنتش سايعاني، ده أبويا السند والضهر، والمسافة من الفيوم للقاهرة مش سهلة على راجل في سنه.
​دخلت لجوزي بكل ذوق وأدب وقلت له: "أبويا جاي بكرة من الفيوم يزورنا ويبارك لنا على الشقة، الراجل جاي من مشوار بعيد وسفر ومسافة، خلينا نشتري حتة لحمة حلوة كدة ونعمله لقمة تشرف ونتغدى معاه".
​بصلي كأن اللحمة دي هتنقص من عمره، وزعق وقالي ببخل وعصبية: "نعم؟! لحمة إيه اللي نجيبها؟ هو إنتي مش عايشة في الدنيا ومش عارفة اللحمة بكام دلوقتي؟! إحنا لسه ناقلين ومصاريف الشقة هدت حيلي، مش هصرف دم قلبي في عزومات!".
​بلعت الإهانة وحاولت أهديه وأهدي بخله ، وقلت له بالراحة: "طيب يا سيدي، بلاش لحمة عشان غالية، خلينا نجيب فرخة نعمل عليها شوية شوربة وملوخية، الفراخ أرخص بكتير ومش هتكلفنا زي اللحمة، والراجل جاي تعبان من السفر".
​لقيته اتجنن أكتر وزعق في وشي بقلة ذوق وقالي: "ولا فراخ ولا غيره! هي كباية عصير والسلام، يشربها ويتكل على الله، ولو مش عاجبه وعاوز ياكل، يبقى يجيب غداه معاه وهو جاي!".
​الكلام نزل عليا زي الصاعقة. يجيب غداه معاه؟! أبويا أنا اللي شقيان عليا طول عمره يتقال عليه كدة وفي بيتي؟ أنا في اللحظة دي منطقتش ولا حرف، سكت خالص وقلت له ببرود مصطنع: "اللي تشوفه يا أبو العيال، مش هنختلف". بس من جوايا، كنت برتب لحاجة تانية خالص، حاجة تخليه يندم على الكلمة دي.
​تاني يوم، أبويا وصل ونور الشقة. راجل طيب وعلى نياته، دخل ومعاه شنطة كبيرة فيها زيارة كاملة؛ فطير مشلتت من بتاع الفيوم، وعسل، ومش، وبيض بلدي، وخير ربنا كله. جوزي استقبله ببرود، ويادوب قعد يفتح في الشنطة ويعد في الزيارة بعينيه، ومستقلها كمان! كأنه بيثمن الحاجة، ومكلفش خاطره حتى يقول لأبويا "نورتنا" بقلب صافي.
​قعدت مع أبويا وقدمت له كباية العصير زي ما البيه أمر، وفضلنا نتكلم. لحد ما جيه ميعاد الغدا، والوقت سرقنا، وأبويا طبعاً حس بحرج شديد، وحس إن البيت مفيش فيه ريحة أكل بتطبخ، وهو عارف جوزي وبخله كويس. فقام وقف وقال وهو بيطبطب عليا: "يلا يا بنتي، أنا لازم أمشي عشان ألحق المواصلات قبل الليل ما ليل، وأنا أصلاً ماليش نفس ومبقدرش آكل بره البيت".
​أنا قلبي اتعصر من منظر أبويا وهو حاسس إنه تقيل على بيت بنته. وقفت بسرعة وقلت له: "تمشي فين يا بابا؟ ده أنت منورنا، ثواني بس أنا عملت حسابي في حاجة عشانك مخصوص".
​جوزي بصلي باستغراب ووقف متنح ومش فاهم أنا بتكلم عن إيه، لانه واثق إن المطبخ ميهوش حاجه تتقدم
بس انا مكنتش مجهزاله اكل ولا شرب انا غبت يادوب كام دقيقة.. وخرجت وفي إيدي المفاجأه اللي قسمت ضهر محمود.. حاجة أول ما شافها، عينه طلعت لبرة، ووشه جاب ميت لون، الصدمة والذهول لجموا لسانه، وقف مبرق ومش قادر ينطق ولا كلمة !!!

08/29/2026

السنة اللي عمي اتجنن فيها، جدي ربطه بسلسلة حديد وقفل عليه في الزريبة جنب البهايم.​مكنش فيه حد بيحن عليه غيري،وفي مره سرقت له "قرصة" فلاحي وادتهاله اكلها واستنيت لما الكل نام، وأخدت قالب طوب وكسرت القفل وعمي خرج يجري حافي . واللي حصل بعدها ميخطرش على بال بشر !!!!!!
​السنة اللي تميت فيها 12 سنه، كانت "عزبة الجميزة" غرقانة في مطر مبيخلصش. ​عمي الصغير، "يونس"، كان مربوط هناك. بسلسلة حديد تقيلة كابسة على رجله، والطرف التاني ملفوف حوالين جذع شجرة الجميزة اللي جنب الزريبة، ومقفول بقفل قد كفة الإيد.
​الجد رضوان: قالها كلمة واحدة وقطع: "الواد ده عيان". وطالما عيان، يبقى ميعتبش عتبة البيت، مش ناقصين مصايب.
​ابويا عبد العزيز: كان كلامه ألعن وأقسى، مكنش معترف أصلاً إن عمي عيان، في نظره "يونس" كان بيستهبل.
​كل يوم، أي حد يعدي من قدام البوابة يبص على الزريبة؛ اللي يسد مناخيره، واللي يضحك بسخرية، واللي يتف على الأرض ويقول: "هو مجنون عيلة الشناوي ده لسه مماتش؟"
​عمي يونس كان بيسمع الكلام ده كله كلمة كلمة، بس عمره ما رد. كان بيقعد كاشش في نفسه تحت شجرة الجميزة، شعره منكوش وهدومه مقطعة ومتبهدلة طين. ساعات يرفع راسه ويبص للسما بالساعات، وساعات تانية يفضل باصص لرجله المربوطة. ومكنش بيرفع عينه ويبص لحد إلا لما يسمع صوتي وأنا بندهه. عينيه كانت سودة وواسعة، ومكنش فيها أي حاجة تخوف زي ما الناس كانت بتقول.
​​أول مرة سرقت له لقمة، كانت لما ستي جبرتني أروح أرمي العلف للبهائم. لقيت في المطبخ نص قرصة ناشفة فضلات، خبيتها تحت هدومي وجريت بسرعة على الزريبة. الريحة هناك كانت تقرف وتجيب الغثيان، حطيت اللقمة جنب رجله وقلت بصوت واطي: "كل يا عمي يونس".
​فضل ثابت مكانه مبيتحركش، افتكرته مسمعنيش. ولسه بلف ضهري عشان أجري، لقيت إيد خفت اللقمة بسرعة؛ إيد ناشفة وضوافرها مليانة طين. قسم القرصة نصين، حط نص في بقه، ومد إيده بالنص التاني ليا.
​هزيت راسي وقلتله لأ، قالي بصوت مبحوح: "كل يا أحمد".
دي كانت أول مرة أسمعه بيتكلم. وقفت مذهول، وعيني دمعت: "أنا مش جعان يا عمي".
​بصلي كتير.. وابتسم. ابتسامة خفيفة وسريعة قوي، كأنه خايف حد يشوفه وهو بيضحك. من اليوم ده، بقيت أروح له كل يوم مستخبي؛ مرة نص قرصة، مرة حتة بطاطا مشوية، ومرة شوية شوربة كانت أمي "أمينة" بتهربهم لي من ورا أبويا. أمي كانت غلبانة وبتخاف من خيالها، كانت بتقف ورا باب المطبخ تترقب الطريق، وقبل ما أمشي تقولي: "يا أحمد، إوعى أبوك يحس بحاجة".
​كنت بهز راسي وخلاص، مكنتش فاهم وقتها.. واحد جعان وبنديله لقمة، إيه اللي يخوف في كده؟
​​لحد ما جه يوم، أبويا رجع من الغيط بدري وشافني وأنا قاعد جنب الزريبة. وقبل ما أستوعب، لقيت إيده بتشدني من قفايا بعنف، والقرصة وقعت في الطين. وش أبويا كان قالب ومسود من الغضب: "مين اللي قالك تديله طفح؟".
"عمي جعان يا بويا".
​مكملتش الكلمة ولقيت قلم نزل على وشي، عيني زغللت وودني صفرت. عمي يونس قام وقف فجأة، وصوت السلاسل الحديد قعد يخرخش ويرن. أبويا مسك الشومة ووجهها ناحيته: "إنت كمان هتحلو؟ عايز تتحرك؟".
عمي ثبت في مكانه، وإيده اتقفلت وبقت زي الحجرة، وبعدين رخاها بالراحة. أبويا لف وضربني قلم تاني: "احفظ الكلام ده كويس، ده مش عمك، ده مصيبة ونازلة على راسنا".
​حطيت إيدي على وشي وبكيت، وبصيت للقمة اللي اتمرمغت في الطين. عمي يونس هو كمان فضل باصص لها. بعد ما أبويا مشي، وطي على الأرض وشالها، وبكم جلابيته قعد يمسح الطين عنها حتة حتة.. وأكلها كلها.
​ليلتها، دخلت تحت اللحاف وقعدت أعيط بحرقة. أمي قعدت جنبي وهي بترتعش وبتدهن لي وشي بالمرهم، سألتها بصوت واطي: "هو عمي يونس كان كده من زمان يا أمي؟".
أمي سكتت كتير، وفي الآخر قالتلي بهمس:
​"يا ابني.. عمك يونس ده كان أشطر واحد في مدارس البلد كلها.. ودخل الجامعة في بندر مصر."
​اتصدمت.. أمي حطت إيدها على بوقي بسرعة في نفس اللحظة اللي سمعنا فيها صوت خطوات أبويا برة. وش أمي اتقلب أصفر زي الليمونة، طفت لمبة الجاز وقربت من ودني: "السيرة دي متجيش على لسانك تاني أبدًا".
​وفي اللحظة دي، سمعنا صوت خروشة السلاسل تاني عند الزريبة. خبطة.. وراها خبطة، كأن فيه حد بيخبط على الباب في نص الليل.
​بصيت من خرم الشباك؛ نور القمر كان نازل على شجرة الجميزة، وعمي يونس كان موطي، وبيبحت بأصباعه في الطين وبيكتب كلام. مكنتش عارف هو بيكتب إيه.. بس شفت أبويا واقف الناحية التانية من الزريبة، ماسك عصايه في إيده، وعينيه كلها غل وشر وهو باصص على إيد عمي وهي بتكتب.وقال له بتريقه..
بتكتبها تاني برضه؟
وضحك بشر ومسح اللي اتكتب برجله..
هتفضل هنا لحد ما تموت ...والي بتكتبه ده مش هيفدك ولا حد هيقراه اصلا
وضربه بالعصايه جامد
عمي نزلت دموعه وبص على ابويا وهو بيمشي
وقتها خرجت بسرعه واتسحبت من غير ما حد يشوفني ورجعت عند عمي تاني
اول ما شافني اتفاجأ وبقى يبصلي بقلق
ابتسمت ومسكت قالب وبقيت اضرب القفل

08/29/2026

منذ زواج ابنتي مريم وانتقالها إلى إحدى قرى الصعيد البعيدة، لم يكن يمر يوم واحد دون أن نتحدث عبر مكالمة فيديو، مهما كانت المسافة بيننا.
قبل يومين أخبرني زوجها أنها أصيبت بنزلة برد شديدة ونامت مبكرًا.
وفي اليوم التالي قال إن أسنانها تؤلمها، ولا تستطيع التحدث.
أما اليوم، فخرج لي بابتسامة وهو يؤكد أن حالتها أصبحت ممتازة، وأنها استعادت صحتها بالكامل.
ظهرت مريم على الشاشة، تجلس بهدوء بجوار زوجها، وعلى وجهها ابتسامة خفيفة تبدو طبيعية لمن لا يعرفها.
ابتسمت لها وقلت:
"بفكر أسافر كام يوم أغير جو... إيه رأيك أروح الفيوم يا مريم؟"
ردت بسرعة من غير أي تردد:
"لأ يا ماما... روحي رأس البر أحسن."
في تلك اللحظة شعرت بقشعريرة تسري في جسدي كله، وكأن شيئًا في داخلي أطلق إنذارًا لا يخطئ.
أغلقت المكالمة، وقمت فورًا أجمع ملابسي في الحقيبة.
المسافة بين بيتنا في طنطا وبلدة زوجها مدحت في قنا تتجاوز ستمائة كيلومتر.
ولو اعتمدت على المواصلات، سأضطر لركوب القطار ثم تغيير أكثر من وسيلة نقل حتى أصل، وأقرب موعد سيكون عصر الغد.
لكنني لم أكن أستطيع الانتظار ولو دقيقة واحدة.
اتصلت بابني أحمد وطلبت منه أن يجهز السيارة فورًا لأننا سنسافر حالًا.
ما إن عرف أننا ذاهبان إلى أخته حتى امتلأ بالسعادة.
منذ زواجها وسفرها إلى الصعيد، لم تكن تزورنا إلا مرة واحدة في السنة، وهذه المرة مر ما يقارب عامًا كاملًا دون أن نراها.
قال وهو يستعد للخروج:
"استنيني خمس دقايق يا أمي... هعدي أجيب جوز حمام محشي، مريم بتحبه جدًا."
أشرت إليه بيدي وقلت:
"مش محتاجين حمام."
استغرب وسأل:
"طيب أجيب إيه؟"
قلت:
"انزل هاتلي شاقوف... بلطة صغيرة."
تجمد مكانه واتسعت عيناه.
"بلطة؟! وإحنا رايحين نزور أختي... ناخد بلطة ليه؟"
قلت بهدوء:
"السكاكين الكبيرة ممنوعة في الأكمنة، لكن البلطة تعتبر أداة شغل عادية."
ظل ينظر إليّ بعدم فهم.
"هو في إيه يا أمي؟ إحنا رايحين لأختي مش كده؟"
أجبته بثبات:
"أختك قالت قبل كده إن الطريق الجبلي عندهم ساعات بيقفل بسبب الشوك والبوص، وممكن نحتاج نقطعهم."
هز رأسه وهو غير مقتنع، لكنه نزل مسرعًا.
ثم ناديته من الشرفة قبل أن يبتعد.
"بلاش تجيب الحمام... أختك حامل ومش هتقدر تاكله."
أضاءت الفرحة وجهه.
"مريم حامل؟! يعني هبقى خال؟ والله لازم أجيبلها حاجات للبيبي."
قلت بحزم:
"قدامك عشرين دقيقة بالضبط... لو متأخرتش هسوق أنا وأمشي."
كنت أخشى ألا يكون عند ابنتي وقت يكفي للانتظار.
نزل أحمد السلم بسرعة، فهو رياضي وحركته خفيفة.
استغليت غيابه وأكملت تجهيز باقي الأغراض، ثم وضعت في الحقيبة مسنًا حديديًا من المطبخ.
فالبلط الموجودة في الأسواق هذه الأيام معدنها خفيف، وقد تحتاج إلى سن جيد.
لم تمضِ عشرون دقيقة حتى عاد، يغطي العرق وجهه، ودخل بسرعة ليستحم.
أما أنا فنزلت إلى السيارة، رتبت الحقائب، وفتحت تطبيق الخرائط وجلست في المقعد المجاور للسائق.
الشارع كان مزدحمًا، لكن ذهني لم يكن يرى سوى صورة مريم في آخر مكالمة.
الجو شديد الحرارة، ومع ذلك كانت ترتدي عباءة طويلة بأكمام مغلقة حتى رقبتها.
كان وجهها شاحبًا، ونحافتها واضحة، بينما بدا أسفل بطنها بارزًا قليلًا.
إذا كان إحساسي صحيحًا، فهي بالفعل حامل.
وخلال المكالمة كلها، لم تكن يد مدحت تبتعد عن خصرها وبطنها.
أي شخص يشاهدهما سيظن أنه زوج يهتم بزوجته.
لكنني أعرف ابنتي جيدًا.
مريم خجولة بطبعها، ولم تكن يومًا تحب إظهار مشاعرها أمام أحد، حتى أمامي أنا.
ولهذا...
كانت تتصرف تحت ضغط... ولم يكن ذلك من تلقاء نفسها.
بمجرد أن خطرت لي هذه الفكرة، غلبتني دموعي، وشعرت بحرقة في صدري.
مريم... يا قطعة من قلبي... ماذا حدث لك؟
بعدها ركب أحمد السيارة، وهو يحمل كيسين بداخلهما دجاج بلدي متبل وجاهز.
قال:
"يا أمي، مريم بتحب الفراخ دي برضه، جبتها معانا."
قلت:
"تمام يا حبيبي."
أغمضت عيني وأسندت ظهري، أحاول تهدئة نبضات قلبي، لكن جسدي كله كان يرتجف.
كنت ألوم نفسي.
ندمت لأنني لم أتمسك برفض هذه الزيجة منذ البداية.
مريم ومدحت كانا زميلين في جامعة طنطا.
بعد التخرج، كنت أتمنى أن يبقيا هنا ويبدآ حياتهما بجوارنا.
لم يكن عندي سوى ولد وبنت، وزوجي رحل منذ سنوات، وربيت الاثنين وحدي حتى كبرا.
أحمد كثير الحركة، أما مريم فكانت هادئة وطيبة.
لم أكن أريد أن تبتعد عني، وكنت أخشى ألا أستطيع حمايتها إذا احتاجتني.
لكن مدحت أصر على العودة إلى بلدته، وقال إن هناك فرصًا ومستقبلًا، وإن أهله تعبوا كثيرًا حتى يدرس، ويريد أن يرد لهم الجميل.
رفضت بشدة.
لكن قلب مريم كان طيبًا، ولأول مرة في حياتها خالفت رأيي.
تم عقد القران دون حفل، ودون شبكة تليق بها.
وقتها قال أحمد:
"يا أمي... مدحت ده مش مطمني."
لكن مريم ابتسمت وقالت:
"أهله على قد حالهم... بلاش نبقى ماديين."
كانت لا تعرف كيف تخفي الدنيا داخلها أشياء لا تظهر من الخارج.

Address

القاهرة
New York, NY
1118

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when لحظه posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Shortcuts

Share